الشيخ محمد هادي معرفة
43
تلخيص التمهيد
وقال القاضي عياض : لا يصحّ - أي في حكمته تعالى ، وهو إشارة إلى قاعدة اللطف - أن يتصوّر له الشيطان في صورة الملَك ، ويلبس عليه الأمر ، لا في أوَّل الرِّسالة ولا بعدها ، والاعتماد - أي اطمئنان النبي - في ذلك دليل المعجزة . بل لا يشك النبيّ صلى الله عليه وآله أنَّ ما يأتيه من اللَّه هو الملَك ورسوله الحقيقي ، إمّا بعلم ضروريّ يخلقه اللَّه له ، أو ببرهان جليّ يظهره اللَّه لديه ، لتتمّ كلمة ربِّك صدقاً وعدلًا لا مبدِّل لكلمات اللَّه « 1 » . إذاً فلا بدَّ أن يكون النبي صلى الله عليه وآله حين انبعاثه نبياً على علم يقين ، بل عين يقين من أمره ، لا يشكّ ولا يضطرب ، مستيقناً مطمئنّاً باله ، مرعيّاً بعناية اللَّه تعالى ولطفه الخاصّ ، منصوراً مؤيَّداً ، ولا سيَّما في بدء البعثة فيأتيه الناموس الأكبر وهو الحقّ الصراح معايناً مشهوداً ، وهي موقعية حاسمة لا ينبغي لنبيّ أن يتزلزل فيها أو يتروّع في موقفه ذلك الحرج العصيب : « إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ » « 2 » . * * * وأيضاً فإنَّ النّبي صلى الله عليه وآله لم يختره اللَّه لنبوَّته إلّابعد أن أكمل عقله وأدَّبه فأحسن تأديبه ، وعرَّفه من أسرار ملكوت السماوات والأرض ما يستأهله للقيام بمهمَّة السفارة وتبليغ رسالة اللَّه إلى العالمين ، كما فعل بإبراهيم الخليل عليه السلام . قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : ولقد قرن اللَّه به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملَك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره . . « 3 » . وقال الإمام العكسري عليه السلام : إنّ اللَّهَ وجد قلب محمّد صلى الله عليه وآله أفضل القلوب وأوعاها فاختاره لنبوَّته . . « 4 » . قال العلّامة المجلسي رحمه الله : منذ أن أكمل اللَّه عقله لم يزل مؤيَّداً بروح القدس ، يكلّمه ويسمع صوته ويرى الرؤيا الصادقة ، حتّى بعثه اللَّه نبيّاً رسولًا « 5 » .
--> ( 1 ) رسالة الشفا : ج 2 ص 112 . ( 2 ) النمل : 10 . ( 3 ) نهج البلاغة : ج 1 ص 392 الخطبة القاصعة . ( 4 ) بحارالأنوار : ج 18 ص 206 . ( 5 ) المصدر : ص 277 .